محمد متولي الشعراوي

1704

تفسير الشعراوى

وتسأل : لماذا كلفتنى يا رب بهذا الأمر ؟ فليس من حقك أيها المؤمن أن تسأل : « لماذا » ما دمت قد آمنت ؛ فالحق سبحانه لم يكلف إلا من آمن به ، فإذا كنت - أيها المؤمن - قد آمنت بأنه إله صادق قادر حكيم فأمن اللّه على نفسك ، ونفذ مطلوب اللّه ب « افعل » و « لا تفعل » سواء فهمت العلة أم لم تفهمها . وسبق أن ضربنا المثل وما زلنا نكرره . إن المريض الذي يشكو من سوء الهضم بعد تناول الطعام يفكر أن جهازه الهضمى مصاب بعلة ، ويفكر في اختيار الطبيب المعالج ويختار طبيبا متخصصا في الجهاز الهضمى ، ويذهب إلى هذا الطبيب . وهنا ينتهى عمل العقل بالنسبة للمريض ؛ فقد اختار طبيبا وقرر الذهاب إليه ، والطبيب يجرى الفحص الدقيق ، ويطلب التحاليل اللازمة إن احتاج الأمر ، ويشخص الداء ، ثم يكتب الدواء ، وحين يكتب الطبيب الدواء للمريض ، فإن المريض لا يصح أن يقول للطبيب ؛ لن آخذ هذا الدواء إلا إذا أقنعتنى بحكمته . بل عليه أن ينفذ كلام الطبيب ، وهكذا يطيع المريض الطبيب ، وكلاهما مساو للآخر في البشرية ، فكيف يكون أدب الإنسان مع خالقه ؟ إن كل عمل العقل عند المؤمن هو أن يؤمن باللّه ، وبعد أن آمنت - أيها المؤمن - باللّه حكيما ، فتلقّ عن اللّه الحكم ؛ لأنه مأمون على أن يوجهك لأنك أنت صنعته . إن الحق يأمر المؤمن بالصلاة ، وعلى المؤمن أن يؤديها ، ولا يبحث عن علة الصلاة كأنها رياضة مثلا ، لا ، إن الأمر صادر من الحق بالصلاة ، وحين تصلى ، فإنك تلتفت إلى أن نفسك قد انشرحت بالصلاة وشعرت بالراحة ، فتقول لنفسك : ما أحلى راحة الإيمان ؛ هذه هي علة الحكم الإيمانى . إن علة الحكم الإيمانى يعرفها المؤمن بعد أن ينفذه ، ولذلك نجد الحق من فضل كرمه ، يقولنا لنا : وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( من الآية 282 سورة البقرة ) فأنت ساعة أن تتقى اللّه في الحكم ، يعطيك العلة ، ويعطيك راحة الإيمان ، إنك أيها العبد لا تسأل أولا عن الاقتناع بالعلة حتى تنفذ حكما للّه ، لأن الحق